الكركرية، رسولة المغرب الروحي إلى العالم

في عالم يبحث عن الثوابت والرجاء، تواصل الطريقة الصوفية المغربية رفع مشعل الإرث النبوي كما يجسده جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين. ومن خلال أسفاره وتنقلاته، يُسمِع الشيخ سيدي محمد فوزي الكركري هذا النداء عبر الحدود: من أوروبا إلى إفريقيا، ومن المغرب العربي إلى الشرق الأوسط، تتحول كل محطة من محطاته الروحية إلى مرحلة من مراحل رحلة النور.
وقد كانت المحطة الأخيرة في مدينة ليون شاهداً حيّاً على هذا الحضور المضيء. فقد عاشت الزاوية الكركرية في ليون، تحت إشراف الشيخ، لحظةً من الوحدة والصفاء الروحي، حيث اجتمع مريدون من فرنسا وبلجيكا وسوريا وتركيا وألمانيا لإحياء محبة النبي ﷺ في قلوبهم وتذوّق حلاوة الذكر، ذلك اللسان المشترك للأرواح. ولم يكن هذا السفر مجرد انتقال جغرافي، بل يحمل في طياته رسالة سامية، هي تبليغ النفَس المحمدي والتذكير بأن الأخوّة وطن جامع يتجاوز حدود الدول.
وقال الشيخ في هذه المناسبة: «في كل قلب يمكن إشعال نور محمدي يقرب ولا يفرق»، ليجد صدى كلماته في الدعوة الدائمة لجلالة الملك محمد السادس إلى ترسيخ إسلام يقوم على التسامح والانفتاح. وهكذا يصبح كل توقف للشيخ، في أوروبا أو غيرها، صدى حياً للرؤية الملكية التي تجعل من الدين وسيلة للتقارب والمصالحة والسلام، لا ساحة للخلاف والفرقة.
وتندرج هذه المسيرة في سياق تقليد راسخ توارثته المملكة عبر العصور. وقد ذكّر وزير الشؤون الخارجية السيد ناصر بوريطة، في كلمته خلال الاحتفال بالذكرى الـ1500 لميلاد النبي ﷺ في نيويورك، قائلاً: «لقد واصل ملوك المغرب، بصفتهم أمراء المؤمنين، حمل رسالة النبي ﷺ، ساهرين على أن يبقى الدين حصناً للعدل والرحمة والتضامن». ومن خلال مبادرات رائدة كخطة عمل الرباط وإعلان مراكش والمنتدى العالمي لتحالف الحضارات، منح المغرب للرسالة المحمدية صدى عالمياً، وجعل من قيم التسامح ركناً أساسياً في عمله الدبلوماسي والروحي.
وتجسّد الطريقة الكركرية هذه الرسالة بعمق. فهي منغمسة في تراث التصوف المغربي، منفتحة على الثقافات والأجيال، وتدعو كل رجل وامرأة، شاباً كان أو كهلاً، إلى إحياء نور النبي ﷺ في حياتهم اليومية. ففي مجالس الذكر، تتلاشى الفوارق اللغوية والثقافية، وتتوجه القلوب جميعاً نحو الرحمة. وبفضل أسفارها الروحية، تحوّل الكركرية كل لقاء إلى جسر للحوار بين الحضارات وإلى سبيل لتعزيز أخوة القلوب.
وبحملها صوت جلالة الملك محمد السادس إلى المجتمعات الصوفية في أوروبا وإفريقيا وسائر القارات، تصبح الطريقة الكركرية أحد روافد المغرب الرسالي: مغربٌ لا يُقاس إشعاعه بقوته الاقتصادية أو الدبلوماسية فحسب، بل بقدرته على إحياء قيم العدل والرحمة والأخوّة في وجدان



